‏إظهار الرسائل ذات التسميات Economy. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات Economy. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 فبراير 2010

مصادرنا الصحفية المقبلة ( 2 – 2 )

يتواصل الحوار مع الباحثين الاقتصاديين الشباب ففى نبرة تشاؤم هادئة (!!) تنبأت اسماء محمد عزت – معيدة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية – بان يستمر تأثر الاقتصاد المصرى بالأزمة لبضع سنوات بل وقد تحدث فى الطريق أزمات أخرى وتوقعت أن يزداد الاهتمام بتطبيق قواعد الحوكمة والمساءلة والشفافية قائلة انه اذا لم يحدث تراخى ثانية فى تطبيق تلك القواعد فقد يتم تفادى ما هووارد الحدوث ورصدت كاخرين تميز الباحثين القدامى بالقدرة على تحليل الظواهر بشكل عميق وشامل والربط بينها وبين النظريات التى درسوها وبقدرتهم على ابتكار نظريات مغايرة ويفقتقد الجدد ذلك لكنهم يتميزون فى مهارات البحث وسرعة الوصول للمعلومات واستيعابهم القوى للتكنولوجيا ولمعطيات العولمة. وحمل علاء فكرى رزق – معيد بتجارة الازهر- بوش الابن المسئولية عن الازمة لتحيزه الصارخ للشركات الكبرى المالية وغير المالية وتوجيهه الى تقليل الرقابة عليها وايضا توجيهه الى تسهيل الاقراض بكل السبل ما ولد الفساد والانهيارات وراى ان الجهاز المصرفى المصرى تاثر بالازمة حيث زادت فيه نسبة الاصول غير العاملة وانتقد غياب الرقابة الحكومية على الاسعار ما ادى الى عدم استفادة الناس من انخفاض اسعار السلع الغذائية ومدخلات الزراعة بعد الازمة رغم انخفاضها عالميا ويرى ان الجيل القديم تفوق بما اتيح له من بعثات واختلاط بالخارج اما الجديد فهناك جامعات كثيرة لكن كل جامعة تحبس طلبتها فيما يدرسه بها الاساتذة ولذا يقترح ان يكون هناك منهج مشترك تضعه كل عدة جامعات لطلبة الدراسات العليا ليلموا بجميع المدارس الفكرية .وذهب عبد الحميد عزت الشاذلى – معيد اقتصاد بزراعة الازهر- الى تاييد مسئولية بوش الابن عن تسهيل الائتمان لاقراض من لا يتمتعون بسجلات ائتمانية مناسبة والتوسع فى توريق الديون وجر امريكا الى الحرب والتعامل المالى اللاخلاقى الذى سار على منهج "فى سبيل الغنى تهون كل قذارة " وقال انه لايعلم متى ينتهى تاثير الازمة على مصر وغيرها وتوقع ان يزداد تدخل الدول فى الاقتصاد وظهور سلسلة من الازمات الفرعية على غرار دبى وقد نرى فى المستقبل تطبيق الاقتصاد الاسلامى الذى يربط بين الجانب الاقتصادى وبين الاخلاقى والاجتماعى برباط وثيق .واكد انه لن يكون لدينا جيل جديد من الباحثين الا اذا اهتمت الدولة بالبحث العلمى واصبحت البحوث لا توضع على الرفوف رافضا " طحن" الباحث فى تدبير المعايش واشار ايضا الى غياب المعلومات الدقيقة بل ووجود معلومات مضللة ما يقود الى ان تخرج رسائل فى النهاية ضعيفة جدا .قال انه كان يتمنى وجود باحثين شباب من الدول العربية بالمؤتمر لتوسيع دائرة المعارف كما طالب بتحديث وتنقيح المقررات فى اقسام الاقتصاد .وبهذه المناسبة قال لى الباحث السودانى الدكتور فتح الرحمن محمد صالح الذى حضر على نفقته انه يطلب ان تشمل المناهج الاقتصادية فى كلياتنا العربية مادة قضايا عربية اقتصادية معاصرة فليس مقبولا ان نتحدث عن ان المصالح اساس التقارب المتين ولاتوجد مادة كتلك وكان هو الذى انفرد – فى ورقة قدمها لى متطوعا – بالتنبيه الى ضرورة مراعاة التكلفة المستقبلية لحزم الانعاش الاقتصادى فى مصر وغيرها . دانت اسراء عادل السيد – جامعة القاهرة – الجشع والطمع والرغبة فى تعظيم الثروة على حساب المصلحة العامة كابرز اسباب الازمة العالمية واشارت الى ان الخسائر التى لحقت بالمستثمرين ستجعلهم اكثر حذرا كما ان المدخرين ايضا سيكونون حذرين فى التعامل مع القطاع البنكى وبالتالى يميلون اكثر الى الاستهلاك ومحصلة هذين العاملين مزيد من التراجع فى الاستثمار ومعه مزيد من البطالة .دعت الى تنسيق اكبر بين القطاعات فى مصر لانجاح الحزم الانعاشية و قالت اسراء انه لن يكون هناك بحث علمى حقيقى الا بتوافر مناخ ملائم للبحث يشجع على الانتاج القابل للنشر فى الدوريات العالمية مع توفير الحوافز المعنوية والمادية المطلوبة وعابت على الباحثين بعامة الجرى وراء انشطة مدرة للمال بدلا من كتابة ابحاث علمية لها نتائج قابلة للتطبيق وتؤثر فى صنع القرار .تحدثت عبير رشدان – منتدى البحوث الاقتصادية للشرق الاوسط وتركيا – بتوسع عن ان غياب الرقابة على حرية انتقال الاموال يزيد من ضراوة وتوحش العولمة وانتقدت الحزم المالية المصرية قائلة ان التوازن بين المشروعات كثيفة العمل وتلك كثيفة الالات فيها لم يكن على النحو المرجو واعتبرت ان ازمة دبى ذات طابع خاص لانها ابنه العديد من العوامل المالية والمؤسسية بدول الخليج وليست وليدة الازمة العالمية فقط وانفردت ايضا بالتنبيه الى انه لامناص اقليميا من تحقيق التكامل بين التصنيع والتجارة والنمو مع تعزيز الاتجاه الاقليمى بالمنطقة .ودعت الى حلقة وصل بين اجيال الباحثين لتفادى الانقطاع وقالت ان الجيل الجديد يصل للمعلومة اسرع لكن المعول عليه كيفية جعلها مفيدة وقالت انه مع تسارع ايقاع الحياة وضيق الوقت لم يعد امام الباحث الشاب ميزة التمتع بخبرات السابقين ولم يعد امامه سوى التعامل الفردى مع مصادر المعلومات والعيش تحت رحمة الحظ والقدر فى تشكيل مستقبله .

ذكرت ان الاقتصادات العربية تعانى من ازمات داخلية مزمنة بالاصل اهمها تقلب معدلات النمو وسوء هيكل العمالة وعدم استدامة التنمية والتزايد السكانى ودعت الى اعداد الاستاذ الجيد ليكون هناك جيل جديد جيد واخضاع الانتاجية العلمية لمعايير يمكن قياسها . ومن جانبها اكدت شيماء الصفتى الباحثة الاقتصادية بالامانة العامة لمجلس الوزراء ان الأزمة لن تؤثر على الاستثمارات الاماراتية فى القاهرة لكن تاثيرها سيكون على دول المنطقة بما فيها مصر خاصة الاستثمارات الجديدة وكذلك شركات المقاولات والمحاسبات القانونية والمحامين ودعت الى ربط المبادئ النظرية لعلم الاقتصاد بباقى العلوم الاخرى و تقريب المبادئ النظرية بعرض حالات مطبقة فى الواقع المعاش بالاضافة الى توفير وتأمين اجراء بعض البحوث الميدانية.وثمنت قيام الشباب بتطوير جمع المادة العلمية ووضعها فى متناول الجميع عبر شبكة الانترنت ما ادى الى سهولة اجراء الابحاث العلمية للكافة.انتهى كلام الشباب فى لقاءات بيروت ليتركنا مع الامل فى ان تبقى مصر ولودا.

السبت، 5 ديسمبر 2009

أزمة دبي: نهاية عصر «المعلقات» الاستثمارية (2-2)

كتب مصباح قطب/ لفت النظر في أزمة مديونية دبي أنه لم تتم مناقشتها في مجلس الوزراء الاتحادي، الذي يرأسه الشيخ محمد بن راشد نفسه، أو المجلس الوطني ــ يقوم بدور مجلس شورى ــ في الوقت الذي يطالب فيه الشيخ محمد العاصمة (أبو ظبي) بتحمل مسؤوليات تجاه المديونية، مشدداً على أن دبي جزء لا يتجزأ من الاتحاد، ولائماً من يتحدثون عنهما كإمارتين مستقلتين.

ويكاد لسان حال من يسمعه يقول: (في الهم مدعية وفى الفرح منسية) فقد كانت المنافسة بين الطرفين قد بلغت حد إطلاق اسم الناقل الوطني على طيران دبي وكأنها بديل طيران الإمارات. أيضا فإن الشيخ الذي قام بعملية تغيير واسعة في قيادات الشركات القابضة والتابعة المملوكة للحكومة لم يعلن نتائج أي تحقيقات أجريت مع من كان قد تم اتهامهم رسميا بالفساد في الأشهر الماضية بعد اندلاع الأزمة المالية، كما لم يعلن الأسس الجديدة التي تم بناءً عليها استبعاد قيادات واختيار أخرى، والمعايير التي ستقوم عليها الاختيارات مستقبلا، وهل ستنتهي بالفعل سياسة أهل الثقة قبل الخبرة.

ومن المفارقات أن الشيخ محمد كان قد قال منذ أيام في اجتماع منتدى دافوس للأعمال بدبي، إن الصمت والفراغ المعلوماتي سمحا للشائعات حول اقتصاد دبي بأن تنتشر، ووعد بالوضوح والاتصال المفتوح، وعليه في هذه اللحظة أن يفي بوعده وأن يقدم على الأقل كشف حساب عن مديونية دبي العالمية وكيف تفاقمت إلى هذا الحد، وأين كان مراجعو حسابات الشركة وموقف التدفقات النقدية للمشاريع المختلفة، وموقف شركات التأمين التي تولت التأمين على القروض.. الخ. لقد دأب الدكتور سلطان أبوعلي، وزير الاقتصاد المصري الأسبق، على القول إن مصر ستبدأ في التأثر بالأزمة العالمية من أول يناير وفبراير المقبلين ولم يقدم تفسيرا كافيا..

وبعد أن ظهرت مديونية مجموعتي الصانع والقصيبي في السعودية (٢٢ مليار دولار) فجأة في الشهر قبل الماضي، وبعد أن ظهرت مديونية دبي العالمية وأخواتها فجأة الأسبوع الماضي، فإن كثيرين يخشون أن تكون هناك مخفيات كثيرة في البنوك والشركات الكبرى بالذات العاملة فيما يسمى بجزر النعيم الضريبي، ودبي ــ تقريبا ــ واحدة منها، وأن تلك المخفيات ستظهر لاحقا مما يهدد اقتصادات كثيرة، منها المصري وغير المصري، وبالتالي فإن الدكتور أبوعلي لديه بعض الحق.

وكان من دروس الأزمة أيضا أنه لا يصح إلا الصحيح.. إذ ليس مصادفة أن موانئ دبي ــ إحدى وحدات دبي القابضة ــ لا تزال محتفظة بقوتها، وهى من كبرى شركات تشغيل الموانئ في العالم ذلك لأن الميزة الظاهرة في دبي هي الموقع الفريد في طريق تجارة الشرق مع الغرب والعكس، وقد كانت عملية توظيف الميزة في بناء موانئ عملاقة ومحطات ترانزيت قرارا رائدا وسباقا،

أما ماعدا ذلك من مشاريع الأعلى والأوسع والأقوى.. فكلها تحتاج إلى مراجعة. ويبقى القول إن الخطوة الجبارة التي اتخذها حكيم العرب الشيخ زايد بإقامة الوحدة الفيدرالية بين الإمارات السبع بحاجة إلى خطوة أخرى لا تقل شجاعة حتى تستطيع الإمارات أن تواصل سيرها بأمان، فلا يمكن أن يستمر البزنس في النمو دون إطار سياسي حديث ومساند، ولعل تلك اللحظة تلهم قادة الإمارات الكرام إلى تلك الخطوة فيقومون مثلا بتوسيع وتفعيل مجلس الشورى أو ما يشبه، فأهل مكة أدرى بشعابها،

كما أن مشروع التنمية هناك لابد أن تكون له جماهير تسانده بالداخل وتشارك فيه وتذود عنه وتتحمل من أجله التضحية إذا تطلب التضحية في لحظة كتلك التي نعيشها. المضاربون ووسطاء أسواق المال أكثر من يصرخ عند الأزمات وأول من يفر، ومثلهم المدراء الخواجات وتابعوهم. تجربة دبي ملك لكل العرب، ومن واجبنا جميعا أن نعمل على استمرار توهجها.

- نشرت في المصري اليوم – مصرية يومية مستقلة، 3 ديسمبر 2009

تأملات في أزمة دبي: نهاية زمن «المعلقات» الاستثمارية (١-٢)

كتب مصباح قطب/ ينتمي الشيخ محمد بن راشد - حاكم دبي، رئيس وزراء الإمارات العربية، نائب رئيس الدولة - إلى ما يسمى تيار المستقبل في العالم العربي وهو التيار الذي كان قد ظهر بمساندة سعودية في البداية على أيدي رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان، الذي اغتيل بتفجير غادر.

وقد نشأ التيار نشأة شبه أيديولوجية إذ كان هدفه مواجهة نموذج الشمولية الاقتصادية السائد في المنطقة، وبصفة خاصة في سوريا والعراق ومصر «وحالياً إيران»، لحساب أفكار السوق الحرة والاقتصاد المفتوح، وتوسع التيار بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وبات يجاهر بخطابه، ليس الاقتصادي فحسب، ولكن أيضاً السياسي دون مواربة، خاصة بعد أن تضعضعت دولة تحالف العسكريين والبيروقراط ولاحقاً ضم «المستقبل» أقطاباً مختلفة،

وأظن أن جمال مبارك وسيف الإسلام القذافي وآخرين في الخليج والمغرب العربي ينتمون إلى هذا التيار، وتجمعهم معاً روابط كثيرة، ويتفقون رغم تبايناتهم على الحرص الدائم على توجيه سهام النقد على الفاضي والمليان إلى تجربة عبد الناصر في الستينيات،

وكأن ذلك من شروط العضوية. ومن المصادفات الغريبة أن التيار رفع رايته في البداية عبر مشروع عقاري حداثي أقامته «سوليدير» الحريري في وسط بيروت، وكان يستلهم تجربة الغرب في مساندة إنشاء كيانات «تلعلع» مثل هونج كونج وسنغافورة لمخايلة جماهير ونظم دول التخطيط المركزي،

ثم وصل مشروع تيارنا المستقبلي إلى ذروته في تجربة الدولة/ الشركة، أو الدولة/ المدينة، المتلعلعة، المتمثلة فيما قام به الشيخ بن راشد بحيوية في دبي لكن ذلك النموذج يتعرض، وللمصادفة، ثانية للاهتزاز بشدة حالياً بسبب مشروع عقاري أيضاً «شركة نخيل» انكشفت حساباته بعد تباطؤ تصريف الوحدات وتراجع أسعارها.

أعرف مسبقاً أن دبي لن تغنى مطلع معلقة امرئ القيس الشهير «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل...» فلديها من الأصول ما يكفى لسداد المديونيات بالراحة، وستقوم بعد كل «المقاوحة» الراهنة بتسييل بعض الأصول وبيع بعضها الآخر لأبوظبى أو لشركاء محليين أو إقليميين،

ومن المحتمل في أي لحظة إعلان التوصل إلى صيغة توافقية لجدولة المديونية بعد الشد والجذب مع أبوظبي والضغوط على الأخيرة التي يتم فيها استخدام أطراف خارجية - كإنجلترا - بل واستخدام توابع الإعلان المباغت بقصد عن المديونية لإثارة نوع من الفزع بالأسواق بهدف إجبار الدائنين كافة على التنازل عن جزء من المديونية وتوفير السيولة للإمارة، وسيرتبط إعلان الجدولة بلاشك بتعهدات وبإصلاحات هيكلية كان بن راشد نفسه قد شرع في بعضها،

كما سيرتبط بتعهد بشفافية أكثر وحدّ من المضاربات التي تقوم بالكثير منها أطراف في الحكم أو محيطة به. ستنتهي إذن بهذا الشكل أو ذاك قصة المديونية ولن تنتهي دبي أو تفلس لكن سيبقى من قبل الأزمة ومن بعدها شيء ما يجب أن يتغير، وشيء ما يجب أن يغرب.

أول ما يجب أن ينتهي عصر تحويل المشاريع الاستثمارية إلى ما يشبه قصائد المعلقات في الجاهلية التي تعلق على أستار الميديا والأسواق المالية لتباهى بها هذه القبيلة/ العائلة الأخرى... المشاريع التي تقام دون دراسات كافية أو حتى دون دراسات بالمرة بغرض الفخر والحماسة والهجاء بمعنى تعيير الآخرين.

وينطبق ذلك على المنافسة بين دبي وأجوارها التي تفاقمت بعد رحيل مؤسس الاتحاد الشيخ زايد رحمه الله.. «يتعمل هنا مشروع يتم الإعلان عن أنقح منه على الناحية الأخرى» وقد تدخل عدد لا بأس به من ضعاف الذمم والسماسرة لتغذية هذه النزعة بهدف مضاعفة عمولاتهم مستغلين ضعف المساءلة والرقابة وفردية القرار، وهكذا.

من الدروس المهمة أيضاً أن سياسة القفز إلى الأمام فوق المشاكل لابد لها من نهاية، إذ كان من الواضح أن ملامح أزمة النموذج قد بدأت تظهر قبل الأزمة العالمية، وكان يتم الغطرشة عليها بالإعلان عن مشاريع عملاقة جديدة دون تحديد موقف القائمة بالفعل وضبط حساباتها، بل والإعلان عنها بحفلات إطلاق «لونشنج» شديدة البذخ وكان آخرها الإعلان عن افتتاح فندق اتلانتنس الغاطس في عز الأزمة بقصد الإيحاء بأن كله تمام ياريس أو يا شيخ.

من المهم وقد أحكم المحيطون بالحكم الدائرة حوله أن نصدقهم القول فلا يمكن أن تسير الأمور في ظل اختلاط الحكم بالإدارة بالملكية بالرقابة مهما حسنت النوايا، ولا يعقل أبداً أن يصبح الرقيب مستثمراً حيث لا يمكن للمنافسة الصحيحة أن تعمل في أجواء كتلك، وقد بات من الضروري عمل نوع من فصل الملكية عن الإدارة في الإمارة، أو ربما في الإمارات كلها.
نشرت في المصري اليوم – مصرية يومية مستقلة، 2 ديسمبر2009

الأحد، 15 نوفمبر 2009

الساسة والعدو اللدود

" اللئيم" الذي يكافئ المدين ويعاقب الدائن عاد ليطل برأسه. لا يمكن أن أنسى الحوارات التي دارت حوله مع مجموعات الزملاء من الأقسام الاقتصادية بالصحف العمانية فى ابريل الماضي خلال ورشات التدريب التي رعتها وزارة الإعلام وكيف أبدع كل فريق منهم فى تصوير أثاره -أو بالأدق آثامه - وتجسيدها حين كنا نتبارى فى كيفية التعبير عن مصادره وانعكاسه على حياة الناس واستخدام الرسوم والأشكال التوضيحية فى هذا السبيل.عرفتم بالتأكيد اننى أتحدث عن التضخم والذي طالما اعتبرته عدو الفقراء اللدود .اننى احترم تماما المنطق الكامن وراء القول بان قليل منه يصلح المعدة الاقتصادية اى يحفز أصحاب المشاريع على التوسع والمبادرين على اقتحام مناطق جديدة لاستخدام الموارد المتاحة فى توليد نمو وفرص عمل وتحقيق أرباح ليعاد تدويرها فى مزيد من المشاريع وهكذا.اقدر هذا القول وافترض حسن النية فيمن يبررون به السياسات التوسعية وما يصاحبها من انفلات فى الأسعار .لكن أظل على اعتقادي بان الموقف من التضخم كان وسيكون أهم معيار للحكم على اى سياسي أو تنفيذي فى الزمن المقبل كما أومن بان قدرة اى نظام سياسي على صنع وصيانة الاستقرار ستتوقف على مدى استطاعته لجم هذا الغول وتحجيم هجومياته على محدودي الدخل طوال الوقت . ليست المسالة إعلان السلطة النقدية إنها تستهدف التضخم وكفى أو إعلان وجود تنسيق دائم بين السلطتين النقدية والمالية لضمان عمل التوازن المطلوب بين النمو واستقرار الأسعار . الموضوع ابعد من ذلك مع الأهمية البالغة للعنصرين السابقين فمحاربة التضخم بكل بساطة تستلزم ارداة كافية وواعية للتصدى للمستفيدين منه والواقفين وراءه. فى معيته – اى التضخم - صاحب الأصول يكسب وصاحب الدخول (الأجور ) يخسر فالأصول ترتفع قيمها والسلع التي يشتريها العامل بنفس الأجر تتناقص .. من عليه للبنوك يكسب لأنه سيسدد أموالا قلت قيمتها عن تلك التي اقترضها رغم انه ظاهريا ملتزم بسداد الفوائد ومن له ودائع يخسر لان الفارق يتسع مع التضخم المنفلت بين سعر الفائدة الاسمي وسعرها الحقيقي . إذن اتخاذ سياسة مناهضة للتضخم يعنى اتخذا موقف مع أو ضد خلال التعامل مع المعادلات السابقة وأربابها. ليغفر لي القراء إذا نسبت لنفسي فضيلة ما وأنا العبد الفقير إلى رحمة ربه بأوسع المعاني ، اننى اشعر بالآثار النفسية والسلوكية والاجتماعية للتضخم وكاننى مقياس " ريختر" المخصص لرصد هزاته وزلازله ... المس ملامح التغير فى نبرة الجيران والبواب والأهل فى القرية والمعارف وهم يردون تحية أو يطلقونها فى الأوقات التي يبدأ فيها الوحش فى البروز من مكمنه.. تقل الحميمية وتبدأ بوادر التوتر فى الظهور وتخفت نبرة الرحمة . أميز فى صوت سائق سيارة الأجرة ملامح تململ مكتوم لو أعطيته نفس الأجرة التي اعتدت دفعها فى الوقت الذي يكون فيه التضخم قد بدا يكشر عن أنيابه دون أن يكون قد ظهر بشكل واضح يجعل من تغيير الأجرة عملا مبررا ومقبولا . أكاد اعرف فى حينا من هو الذي ستجرفه موجة ارتفاع الأسعار هذه المرة إلى الجريمة لان دفاعاته الدينية والأخلاقية وخوفه من القانون والعقاب ستنهار تحت وطأة الضغط العنيف للأسعار المرتفعة – فى السلع الأساسية بالذات – على حياة الناس . يحسب البسطاء الأمور بمعايير محددة للغاية ولا يمكن خداعهم بشأنها.. بكم تشترى زجاجة زيت الطعام و الكيلو جرام من الجبن الأبيض أو من السكر أو الأرز ومصفوفة البيض وطبق الفول وخبز الأولاد وبعض الخضروات. اللئيم عاد ليطل بوجهه لكن كما قال المثل اليوناني الأشهر انك لاتستحم فى النهر مرتين بنفس الماء وكما أضاف اللاحقون ولا حتى مرة واحدة فكل شيء رهن التغير والتبدل طوال الوقت فما الذي طرا ياترى على منابع موجة التضخم الجديدة وما الذي استجد على تجلياته فى الأسواق المحلية والدولية ؟ .يجئ التضخم عادة من مصادر خارجية كالواردات من السلع والخدمات أو من قرارات إدارية تصدرها الحكومات كرفع أسعار الوقود مثلا أو من زيادات فى الدخول أو من احتكارات واختناقات فى الأسواق الداخلية أو من توسع نقدي او من صدمات عرض مفاجئة اى نقص مباغت فى المعروض كالتي حدثت فى أسواق الدواجن واللحوم من جراء أنفلونزا الطيور أو التي تحدث نتيجة تغيرات مفاجئة فى الطقس فى دولة من الدول بما يؤثر على الأسعار العالمية لمحصول اساسى تنتجه وهكذا ا. لكن الأزمة المالية العالمية نبهتنا إلى حقائق أخرى على رأسها الزيادة الرهيبة فى معروض الدولار- عملة الارتكاز الدولية – والتي لا تتناسب بحال مع الإنتاجية والإنتاج والصادرات فى الولايات المتحدة الأمريكية وهى الزيادة التي دفع ثمنها العالم كله بدرجات وأيضا تحول الكتلة الرئيسية فى طبقة المبادرين العالمية والمحلية إلى المضاربات المالية بديلا عن وجع القلب فى الإنتاج والمنافسة والابتكار والتطوير ما اوجد طفيلية دولية متشابكة المصالح راحت تتعيش بلا رحمة على حساب كل من يعمل او ينتج أو يوزع وابتكرت فى هذا الصدد أشكالا وصيغا شتى للتحايل والاستنزاف وكان من نتائج ممارسات هذه الطبقة أن رأينا أن عناصر التكاليف الظاهرة فى بلد من البلاد لسلعة من السلع – مثلا – كانت تبدو مستقرة ومعقولة غير أن شيئا خفيا يدفعها فى مرحلة غير منظورة إلى الارتفاع ليؤثر بشدة على سعر المنتج النهائي.. انه تكلفة الطفيلية المالية والاستشارات الوهمية والمناقلات الشكلية والفساد الذي تخلق فى تلك الأجواء وأصبحت له مطامع تتجاوز آفاق الفساد التقليدي بمراحل . وحين وقعت الواقعة المالية هب الكبار فى العالم لمعالجة هذا الوضع الذي هددهم فى عقر دارهم وتوصلوا إلى بعض النقاط فيما يخص تنظيم الأسواق المالية و العاب الحواة المالية ومعايير الرقابة على البنوك ومديريها وفيما يتعلق بجزر النعيم الضريبي .لكن يخطئ كثيرا من يتصور أن " وول ستريت" ستسلم بتلك السهولة ولا أعنى هنا حي المال فى أمريكا فقط ولكن كل " وول ستريت" فى اى بقعة من العالم. لقد بدأت أسعار بعض السلع الأساسية تعانى تقلبات حادة من جديد وبما لايعكس مستوى الندرة فيها مثل السكر والأرز واللحوم والألبان وقد سبق ذلك عمليات مضاربة على الذهب – لازالت مستمرة وتتصاعد – كان هدفها فى تقديري الالتفاف حول القيود التي وضعت على حركة الأموال فى أسواق المال من ناحية وإظهار قوة المتلاعبين بالسيولة من ناحية أخرى والإيحاء بان زمن المضاربات السعيد سيعود ومن هنا بدأت موجة تضخم عالمية ومحلية تطل برأسها بدرجات متفاوتة مدعومة بأحاديث عن بدء تعافى الاقتصاد العالمي. إن الخطورة الشديدة تكمن فى أن هذا الارتباط الشرطي بين ظهور التضخم مرة أخرى وبين العودة إلى النمو سيولد مرارة بين الفقراء ومحدودي الدخل إزاء النمو والتعافي هذين .. إنهم يرون انه كلما ثارت أحاديث عنهما وعن نوع النمو السريع بالذات اندلعت نيران التضخم وتحولت حياتهم إلى جحيم . وكما قلت منذ عام إن أهل قريتي كانوا يبتهلون إلى الله أن يديم نعمة الأزمة المالية العالمية لان أسعار السلع التي تعنيهم تراجعت بقوة فإذا أردنا من الجمهور العام أن يساند سياسات الإصلاح والنمو السريع لا بد أن نتفهم هذا النوع من المخاوف ونحاول أن نطمئن الناس بجدية ونحميهم من توابعهما وعلى رأسها " اللئيم " . ليست صدفة أبدا أن يكشف استطلاع الراى الذي أجرته " بى بى سى" مؤخرا عن موجة رفض واسعة فى العالم كله لسياسات السوق الحرة حتى فى الدول التي نجت من بطش الأزمة العالمية ولازال النمو الجيد يتواصل فيها كما أنها ليست صدفة أن تبدأ فى العالم موجة اهتمام واسعة هذه الأيام بدراسات فوائد النمو السلبي أو غير الموجب أو النمو صفر أو النمو المحدود . الم اقل لكم أن التضخم صاعدا أم هابطا هو الذي سيحدد المزاج السياسي لعالم الغد ؟ .

.ينشر اليوم الاحد 15 نوفمبر بصحيفة عمان العمانية