الاثنين، 25 يناير 2010

«زمزمية» أمل (٢-٢)

بقلم مصباح قطب ٢٤/ ١/ ٢٠١٠

افتتاحية التضحيات بطريق الصعيد ـ البحر الأحمر بدأت عند محاولة صعود لودر من خور وعر ينخفض ٧٣ مترا عن منسوب الطريق بوصلة سوهاج فقد انقلب اللودر ومات اثنان وقد رأيت الطريق الذى سقطا منه وتعجبت كيف غامرا أصلا بارتقائه فدرجة ميله نحو ٨٠ بلا مبالغة أى أنه يكاد يكون عموديا.

فيما بعد عرفت قصصا أخرى عمن دفعوا حياتهم ورحلوا بلا نصب تذكارية إلا ما سال من دموع صادقة وحارقة من زملائهم فى الشقاء واللقمة.. الحزن على الموتى هنا مزلزل لأن العشرة بين الناس حقيقية وقد أخجلنى ذلك حين تذكرت حزننا البلاستيكى السمج على الأعزاء الذين يرحلون وننساهم بعد أول عبارتى مواساة فور تلقى النبأ: مش معقول.. ياه.. الله يرحمه. بالمصادفة تصادمت سيارتا نقل على مبعدة مئات الأمتار منا فى قلب الجبل لأن السائقين كانا مسرعين باندفاع بغية نقل كميات رمال وحجارة أكبر لينالا أجرا إضافيا.

مات واحد وتركنا الثانى بين الحياة والموت... لا يهز المرء شىء قدر أن يخرج إنسان أجير إلى باب الله سعيا إلى رزق حلال فيعود إلى داره قبل موعد نهاية الوردية جسدا بلا روح وربما اشلاء جسد. يتطلب الطريق الذى سيفتتح الرئيس «الفردة» الأولى منه ربما نهاية هذا الشهر تنفيذ أعمال بحجم ٧٣ مليون متر مربع من التراب (السد العالى الرمز ٤٣ مليونا).

وتطلب لنسف الصخور ٨٠ طنا ديناميت فى تفجير واحد فقط و٢٢ كيلو مترا من المواسير لزوم عمل برابخ للسيول كما تطلب استخدام نحو ٩٠١ معدة ثقيلة من أصناف شتى غير ما يقدمه مقاولو الباطن مع عامين ونصف من العمل من أكثر من ٢٠ ألف إنسان وسيتبقى ما لن يكتمل إلا فى ٢٠١١.

مشاق لا مثيل لها وقصة هندسية وتمويلية وتنموية غاب عن ذاكرتنا مثلها منذ سنين طويلة. قال عامل «شوكة» أمى بتلقائية إن الطريق هو أحسن مشروع خيرى للبلد دى واعتبر آخرون أنه سيحسب فى ميزان حسنات من عملوا به لأن من سيزورون النبى الغالى بحرا سيمرون عليه (هنيالهم وعقبالى).

شرح آثار الطريق التنموية المتشعبة يطول لكن أهم ما ينطوى عليه هو تحدى إنشائه بعد عشرات السنين من التردد وآلاف السنين من الحلم بأن يعانق النيل البحر الأحمر.. كأننا نعود إلى قبس من الزمن الذى قال رشدى سعيد إن النيل فيه كان يصب فى البحر الأحمر قبل أن تقود صدفة جيولوجية فذة إلى فتح طريق له إلى المتوسط. فى منطقة بوادى حبيب بأسيوط ثمة ٤٠٠ متر مذهلة من الطريق تمر بين منخفضين سحيقين وهى ناتج ردم بارتفاع ٨٠ مترا قال مسؤول عن هذه الوصلة التى تحيط الجبال منخفضيها إنها تذكرنا بـ«الصراط» فى الآخرة.

هدير المعدات المدوى فى وادى «جوردى» على مبعدة بوصلة سوهاج (يجرى فيه إتمام تعلية بارتفاع ٧٥ مترا وبالتوازى خفض صخور جبلية مجاورة ارتفاعها أكثر من ٦٥ مترا ليمر الطريق) هدير خلق ليبقى فى الأذن كترتيلة حب لمن عمل هنالك.. «الفاحت نازل والبانى طالع» كما قال أولاد البلد فسلام على الصاعدين من صاحب أول ضربة فى الجبل إلى زارع آخر «عين قطة» معدنية على الطريق لتضيء للمسافرين ليلا. سلام. سلام، ولا نامت أعين اللصوص والطفيليين والطائفيين سارقى الفرح والأمل وحتى كحل العيون.

عن المصري اليوم ٢٤ يناير ٢٠١٠

mesbahkotb@yahoo.com

الجمعة، 22 يناير 2010

زمزمية أمل (1 من 2 )

كتب مصباح قطب

وسط الخواء الشامل الذي يحيط بنا. والخواء المضاد الذي ينتجه من يدعون إنهم عكس " دوكهمت " تتوه مصر الحقيقية وتضيع ملامحها. ما دامت مصر- فى النهاية - تأكل وتشرب وتعيش و" تتنهب" فلابد أن هناك من يتعب ليتحقق ذلك ولابد أن هناك من يعمل ولذا لا تفنى العناقيد . الإعلام التجاري و الإعلام البيروقراطي إلا فيما ندر غير قادرين او راغبين فى البحث عن القيمة وسط من ينتجونها بعقولهم وسواعدهم وأرواحهم وبكل ألوان " المدوحرة" والإحساس بالواجب والمسئولية تجاه الانسانية والوطن دون ضجيج أو ادعاء . يخشى المرء أن يؤدى طنين الخراب الراهن إلى ألا يعرف الناس ان بلدهم لايمكن أبدا اختزالها فى هؤلاء " العقماء "الذين يمسكون بمقاديرها ويريدون أن يرثوها بالحيا . فى احتفال جوائز ساويرس الثقافية منذ أيام كنا إزاء مئات المبدعين فى القصة والرواية والمسرحية والسيناريو الذين تقدموا للمسابقات واستوفوا شروطها ولم نكن قد سمعنا عن 95 % على الأقل منهم من قبل وقد جاءوا من كل صوب فى البلاد وقال المحكمون عن أعمالهم التي فازت والتي لم تفز إنها تتسم بالجسارة والجدة والقدرة الهائلة على الإدهاش ولذلك سالت حاضرين من مجلس أمناء المؤسسة : لماذا تبدو مصر فى هذه اللحظة غنية وعفية وعلى مبعدة خطوات فى الشارع والمؤسسات السياسية والتنفيذية والحزبية وحتى الثقافية والمدنية تبدو فقيرة بائسة محطمة الوجدان والضمير ومبعثرة ؟ . كان من رأى سميح ساويريس إن السبب هو أن النخبة اللي ماسكة الأمور مش نخبة أصلا وهى أفقر من أن تستقطب " الغنى" ، المعرفى ، والاقتدار، أو تشجعهما إن لم تكن تعتبرهما أعداء . قبلها بيومين كنت على موعد آخر مع مصر الأخرى… حيث عشت أياما فى الجبل بقنا وسوهاج وأسيوط مع عمال وفنيين وإداريين ومساحين ومهندسين يعملون فى شبكة طريق الصعيد البحر الأحمر( 412 كيلومتر تخترق صحراء مصر الشرقية ) وتعرفت إلى أبعاد أخرى لمعنى الإنسان والإيمان والوطنية والشرف بل ولمعنى الحياة والشمس وسأشرح . يعمل الناس هنا من أول ضوء إلى آخر ضوء حرفيا والشاطر فيهم اللي يلحق يصلى العشاء او يتفرج على مباراة كرة مذاعة ليلا بسبب الإعياء. تعمل الشمس هنا – كالبشر - باستقامة وجدية حيث لفت نظرنا أنها تنحدر ساعة المغيب بسرعة غير معهودة وكأنها لا تريد أن يطول يوم العارقين ولو لدقيقة أكثر رأفة بهم . منبر المسجد فى استراحة العاملين بوادى قنا ارتفاعه 40 سم لكن رائحة الإيمان العميق تنبعث شامخة من كل فعل وحرف وكلمة وسلوك ولقمة أو حتى أسمال بالية معلقة على منشر غسيل ليلا . الألفاظ المهنية منحوتة بعناية وممتلئة بالمعنى ... ألفاظ مثل "سماحيات" اى نسب السماح بتجاوز قاعدة معينة ، والدمك والهرس والتبب (جمع تبة ) والتكاسى اى كسوة التراب المائل بالحجر لمنع الهيل ، والمساطيح وهى المصاطب التي تقام فى أسفل التعليات الترابية المعمولة لردم خور عميق وأيضا هدفها منع الهيل ،و " الرابطة" اى الطبقة العليا من الإسفلت وهكذا . تتعجب من سر تلك الصداقة بين هؤلاء البشر حيثما حلوا وبين الاخضرار .. ففي قلب الصخر والرمل بكل منطقة كان ثمة من زرع زهورا وقد رأينا كيف زرع عمال أمام مساكنهم البسيطة فولا اخضر وجرجير وأيضا : سيسابان… انه النبات الذى كنا نتغنى به مديحا فى البنات اللواتي نحبهن ونحن فى فرق مقاومة الدودة بالأرياف : يا محلا ضل الساسبان ،السا سا… بان .. الساسا .. بان، مستمتعين بالتورية الحسية الكامنة فى نطق الكلمة مقطعة . رأينا عمالا تمر عليهم أسابيع لا يأكلون فاكهة ليوفروا قروشا رضية لأسرهم ولا يأخذون الإجازات المقررة هم ومهندسوهم (7 أيام كل 25 يوما ) تطوعا . يقتصر طعام البعض ممن يبيتون فى الجبل أو الاستراحات على الفطيرة " أم زيت" و" أم" جنيه أو جنيه ونصف مع كوب شاي مصنوع فى كنكة سمك الهباب عليها نحو سنتيمتر!!
---
عن المصري اليوم ١٧ يناير ٢٠١٠

mesbahkotb@yahoo.com

السبت، 5 ديسمبر 2009

أزمة دبي: نهاية عصر «المعلقات» الاستثمارية (2-2)

كتب مصباح قطب/ لفت النظر في أزمة مديونية دبي أنه لم تتم مناقشتها في مجلس الوزراء الاتحادي، الذي يرأسه الشيخ محمد بن راشد نفسه، أو المجلس الوطني ــ يقوم بدور مجلس شورى ــ في الوقت الذي يطالب فيه الشيخ محمد العاصمة (أبو ظبي) بتحمل مسؤوليات تجاه المديونية، مشدداً على أن دبي جزء لا يتجزأ من الاتحاد، ولائماً من يتحدثون عنهما كإمارتين مستقلتين.

ويكاد لسان حال من يسمعه يقول: (في الهم مدعية وفى الفرح منسية) فقد كانت المنافسة بين الطرفين قد بلغت حد إطلاق اسم الناقل الوطني على طيران دبي وكأنها بديل طيران الإمارات. أيضا فإن الشيخ الذي قام بعملية تغيير واسعة في قيادات الشركات القابضة والتابعة المملوكة للحكومة لم يعلن نتائج أي تحقيقات أجريت مع من كان قد تم اتهامهم رسميا بالفساد في الأشهر الماضية بعد اندلاع الأزمة المالية، كما لم يعلن الأسس الجديدة التي تم بناءً عليها استبعاد قيادات واختيار أخرى، والمعايير التي ستقوم عليها الاختيارات مستقبلا، وهل ستنتهي بالفعل سياسة أهل الثقة قبل الخبرة.

ومن المفارقات أن الشيخ محمد كان قد قال منذ أيام في اجتماع منتدى دافوس للأعمال بدبي، إن الصمت والفراغ المعلوماتي سمحا للشائعات حول اقتصاد دبي بأن تنتشر، ووعد بالوضوح والاتصال المفتوح، وعليه في هذه اللحظة أن يفي بوعده وأن يقدم على الأقل كشف حساب عن مديونية دبي العالمية وكيف تفاقمت إلى هذا الحد، وأين كان مراجعو حسابات الشركة وموقف التدفقات النقدية للمشاريع المختلفة، وموقف شركات التأمين التي تولت التأمين على القروض.. الخ. لقد دأب الدكتور سلطان أبوعلي، وزير الاقتصاد المصري الأسبق، على القول إن مصر ستبدأ في التأثر بالأزمة العالمية من أول يناير وفبراير المقبلين ولم يقدم تفسيرا كافيا..

وبعد أن ظهرت مديونية مجموعتي الصانع والقصيبي في السعودية (٢٢ مليار دولار) فجأة في الشهر قبل الماضي، وبعد أن ظهرت مديونية دبي العالمية وأخواتها فجأة الأسبوع الماضي، فإن كثيرين يخشون أن تكون هناك مخفيات كثيرة في البنوك والشركات الكبرى بالذات العاملة فيما يسمى بجزر النعيم الضريبي، ودبي ــ تقريبا ــ واحدة منها، وأن تلك المخفيات ستظهر لاحقا مما يهدد اقتصادات كثيرة، منها المصري وغير المصري، وبالتالي فإن الدكتور أبوعلي لديه بعض الحق.

وكان من دروس الأزمة أيضا أنه لا يصح إلا الصحيح.. إذ ليس مصادفة أن موانئ دبي ــ إحدى وحدات دبي القابضة ــ لا تزال محتفظة بقوتها، وهى من كبرى شركات تشغيل الموانئ في العالم ذلك لأن الميزة الظاهرة في دبي هي الموقع الفريد في طريق تجارة الشرق مع الغرب والعكس، وقد كانت عملية توظيف الميزة في بناء موانئ عملاقة ومحطات ترانزيت قرارا رائدا وسباقا،

أما ماعدا ذلك من مشاريع الأعلى والأوسع والأقوى.. فكلها تحتاج إلى مراجعة. ويبقى القول إن الخطوة الجبارة التي اتخذها حكيم العرب الشيخ زايد بإقامة الوحدة الفيدرالية بين الإمارات السبع بحاجة إلى خطوة أخرى لا تقل شجاعة حتى تستطيع الإمارات أن تواصل سيرها بأمان، فلا يمكن أن يستمر البزنس في النمو دون إطار سياسي حديث ومساند، ولعل تلك اللحظة تلهم قادة الإمارات الكرام إلى تلك الخطوة فيقومون مثلا بتوسيع وتفعيل مجلس الشورى أو ما يشبه، فأهل مكة أدرى بشعابها،

كما أن مشروع التنمية هناك لابد أن تكون له جماهير تسانده بالداخل وتشارك فيه وتذود عنه وتتحمل من أجله التضحية إذا تطلب التضحية في لحظة كتلك التي نعيشها. المضاربون ووسطاء أسواق المال أكثر من يصرخ عند الأزمات وأول من يفر، ومثلهم المدراء الخواجات وتابعوهم. تجربة دبي ملك لكل العرب، ومن واجبنا جميعا أن نعمل على استمرار توهجها.

- نشرت في المصري اليوم – مصرية يومية مستقلة، 3 ديسمبر 2009

تأملات في أزمة دبي: نهاية زمن «المعلقات» الاستثمارية (١-٢)

كتب مصباح قطب/ ينتمي الشيخ محمد بن راشد - حاكم دبي، رئيس وزراء الإمارات العربية، نائب رئيس الدولة - إلى ما يسمى تيار المستقبل في العالم العربي وهو التيار الذي كان قد ظهر بمساندة سعودية في البداية على أيدي رفيق الحريري، رئيس وزراء لبنان، الذي اغتيل بتفجير غادر.

وقد نشأ التيار نشأة شبه أيديولوجية إذ كان هدفه مواجهة نموذج الشمولية الاقتصادية السائد في المنطقة، وبصفة خاصة في سوريا والعراق ومصر «وحالياً إيران»، لحساب أفكار السوق الحرة والاقتصاد المفتوح، وتوسع التيار بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وبات يجاهر بخطابه، ليس الاقتصادي فحسب، ولكن أيضاً السياسي دون مواربة، خاصة بعد أن تضعضعت دولة تحالف العسكريين والبيروقراط ولاحقاً ضم «المستقبل» أقطاباً مختلفة،

وأظن أن جمال مبارك وسيف الإسلام القذافي وآخرين في الخليج والمغرب العربي ينتمون إلى هذا التيار، وتجمعهم معاً روابط كثيرة، ويتفقون رغم تبايناتهم على الحرص الدائم على توجيه سهام النقد على الفاضي والمليان إلى تجربة عبد الناصر في الستينيات،

وكأن ذلك من شروط العضوية. ومن المصادفات الغريبة أن التيار رفع رايته في البداية عبر مشروع عقاري حداثي أقامته «سوليدير» الحريري في وسط بيروت، وكان يستلهم تجربة الغرب في مساندة إنشاء كيانات «تلعلع» مثل هونج كونج وسنغافورة لمخايلة جماهير ونظم دول التخطيط المركزي،

ثم وصل مشروع تيارنا المستقبلي إلى ذروته في تجربة الدولة/ الشركة، أو الدولة/ المدينة، المتلعلعة، المتمثلة فيما قام به الشيخ بن راشد بحيوية في دبي لكن ذلك النموذج يتعرض، وللمصادفة، ثانية للاهتزاز بشدة حالياً بسبب مشروع عقاري أيضاً «شركة نخيل» انكشفت حساباته بعد تباطؤ تصريف الوحدات وتراجع أسعارها.

أعرف مسبقاً أن دبي لن تغنى مطلع معلقة امرئ القيس الشهير «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل...» فلديها من الأصول ما يكفى لسداد المديونيات بالراحة، وستقوم بعد كل «المقاوحة» الراهنة بتسييل بعض الأصول وبيع بعضها الآخر لأبوظبى أو لشركاء محليين أو إقليميين،

ومن المحتمل في أي لحظة إعلان التوصل إلى صيغة توافقية لجدولة المديونية بعد الشد والجذب مع أبوظبي والضغوط على الأخيرة التي يتم فيها استخدام أطراف خارجية - كإنجلترا - بل واستخدام توابع الإعلان المباغت بقصد عن المديونية لإثارة نوع من الفزع بالأسواق بهدف إجبار الدائنين كافة على التنازل عن جزء من المديونية وتوفير السيولة للإمارة، وسيرتبط إعلان الجدولة بلاشك بتعهدات وبإصلاحات هيكلية كان بن راشد نفسه قد شرع في بعضها،

كما سيرتبط بتعهد بشفافية أكثر وحدّ من المضاربات التي تقوم بالكثير منها أطراف في الحكم أو محيطة به. ستنتهي إذن بهذا الشكل أو ذاك قصة المديونية ولن تنتهي دبي أو تفلس لكن سيبقى من قبل الأزمة ومن بعدها شيء ما يجب أن يتغير، وشيء ما يجب أن يغرب.

أول ما يجب أن ينتهي عصر تحويل المشاريع الاستثمارية إلى ما يشبه قصائد المعلقات في الجاهلية التي تعلق على أستار الميديا والأسواق المالية لتباهى بها هذه القبيلة/ العائلة الأخرى... المشاريع التي تقام دون دراسات كافية أو حتى دون دراسات بالمرة بغرض الفخر والحماسة والهجاء بمعنى تعيير الآخرين.

وينطبق ذلك على المنافسة بين دبي وأجوارها التي تفاقمت بعد رحيل مؤسس الاتحاد الشيخ زايد رحمه الله.. «يتعمل هنا مشروع يتم الإعلان عن أنقح منه على الناحية الأخرى» وقد تدخل عدد لا بأس به من ضعاف الذمم والسماسرة لتغذية هذه النزعة بهدف مضاعفة عمولاتهم مستغلين ضعف المساءلة والرقابة وفردية القرار، وهكذا.

من الدروس المهمة أيضاً أن سياسة القفز إلى الأمام فوق المشاكل لابد لها من نهاية، إذ كان من الواضح أن ملامح أزمة النموذج قد بدأت تظهر قبل الأزمة العالمية، وكان يتم الغطرشة عليها بالإعلان عن مشاريع عملاقة جديدة دون تحديد موقف القائمة بالفعل وضبط حساباتها، بل والإعلان عنها بحفلات إطلاق «لونشنج» شديدة البذخ وكان آخرها الإعلان عن افتتاح فندق اتلانتنس الغاطس في عز الأزمة بقصد الإيحاء بأن كله تمام ياريس أو يا شيخ.

من المهم وقد أحكم المحيطون بالحكم الدائرة حوله أن نصدقهم القول فلا يمكن أن تسير الأمور في ظل اختلاط الحكم بالإدارة بالملكية بالرقابة مهما حسنت النوايا، ولا يعقل أبداً أن يصبح الرقيب مستثمراً حيث لا يمكن للمنافسة الصحيحة أن تعمل في أجواء كتلك، وقد بات من الضروري عمل نوع من فصل الملكية عن الإدارة في الإمارة، أو ربما في الإمارات كلها.
نشرت في المصري اليوم – مصرية يومية مستقلة، 2 ديسمبر2009

الأحد، 15 نوفمبر 2009

الساسة والعدو اللدود

" اللئيم" الذي يكافئ المدين ويعاقب الدائن عاد ليطل برأسه. لا يمكن أن أنسى الحوارات التي دارت حوله مع مجموعات الزملاء من الأقسام الاقتصادية بالصحف العمانية فى ابريل الماضي خلال ورشات التدريب التي رعتها وزارة الإعلام وكيف أبدع كل فريق منهم فى تصوير أثاره -أو بالأدق آثامه - وتجسيدها حين كنا نتبارى فى كيفية التعبير عن مصادره وانعكاسه على حياة الناس واستخدام الرسوم والأشكال التوضيحية فى هذا السبيل.عرفتم بالتأكيد اننى أتحدث عن التضخم والذي طالما اعتبرته عدو الفقراء اللدود .اننى احترم تماما المنطق الكامن وراء القول بان قليل منه يصلح المعدة الاقتصادية اى يحفز أصحاب المشاريع على التوسع والمبادرين على اقتحام مناطق جديدة لاستخدام الموارد المتاحة فى توليد نمو وفرص عمل وتحقيق أرباح ليعاد تدويرها فى مزيد من المشاريع وهكذا.اقدر هذا القول وافترض حسن النية فيمن يبررون به السياسات التوسعية وما يصاحبها من انفلات فى الأسعار .لكن أظل على اعتقادي بان الموقف من التضخم كان وسيكون أهم معيار للحكم على اى سياسي أو تنفيذي فى الزمن المقبل كما أومن بان قدرة اى نظام سياسي على صنع وصيانة الاستقرار ستتوقف على مدى استطاعته لجم هذا الغول وتحجيم هجومياته على محدودي الدخل طوال الوقت . ليست المسالة إعلان السلطة النقدية إنها تستهدف التضخم وكفى أو إعلان وجود تنسيق دائم بين السلطتين النقدية والمالية لضمان عمل التوازن المطلوب بين النمو واستقرار الأسعار . الموضوع ابعد من ذلك مع الأهمية البالغة للعنصرين السابقين فمحاربة التضخم بكل بساطة تستلزم ارداة كافية وواعية للتصدى للمستفيدين منه والواقفين وراءه. فى معيته – اى التضخم - صاحب الأصول يكسب وصاحب الدخول (الأجور ) يخسر فالأصول ترتفع قيمها والسلع التي يشتريها العامل بنفس الأجر تتناقص .. من عليه للبنوك يكسب لأنه سيسدد أموالا قلت قيمتها عن تلك التي اقترضها رغم انه ظاهريا ملتزم بسداد الفوائد ومن له ودائع يخسر لان الفارق يتسع مع التضخم المنفلت بين سعر الفائدة الاسمي وسعرها الحقيقي . إذن اتخاذ سياسة مناهضة للتضخم يعنى اتخذا موقف مع أو ضد خلال التعامل مع المعادلات السابقة وأربابها. ليغفر لي القراء إذا نسبت لنفسي فضيلة ما وأنا العبد الفقير إلى رحمة ربه بأوسع المعاني ، اننى اشعر بالآثار النفسية والسلوكية والاجتماعية للتضخم وكاننى مقياس " ريختر" المخصص لرصد هزاته وزلازله ... المس ملامح التغير فى نبرة الجيران والبواب والأهل فى القرية والمعارف وهم يردون تحية أو يطلقونها فى الأوقات التي يبدأ فيها الوحش فى البروز من مكمنه.. تقل الحميمية وتبدأ بوادر التوتر فى الظهور وتخفت نبرة الرحمة . أميز فى صوت سائق سيارة الأجرة ملامح تململ مكتوم لو أعطيته نفس الأجرة التي اعتدت دفعها فى الوقت الذي يكون فيه التضخم قد بدا يكشر عن أنيابه دون أن يكون قد ظهر بشكل واضح يجعل من تغيير الأجرة عملا مبررا ومقبولا . أكاد اعرف فى حينا من هو الذي ستجرفه موجة ارتفاع الأسعار هذه المرة إلى الجريمة لان دفاعاته الدينية والأخلاقية وخوفه من القانون والعقاب ستنهار تحت وطأة الضغط العنيف للأسعار المرتفعة – فى السلع الأساسية بالذات – على حياة الناس . يحسب البسطاء الأمور بمعايير محددة للغاية ولا يمكن خداعهم بشأنها.. بكم تشترى زجاجة زيت الطعام و الكيلو جرام من الجبن الأبيض أو من السكر أو الأرز ومصفوفة البيض وطبق الفول وخبز الأولاد وبعض الخضروات. اللئيم عاد ليطل بوجهه لكن كما قال المثل اليوناني الأشهر انك لاتستحم فى النهر مرتين بنفس الماء وكما أضاف اللاحقون ولا حتى مرة واحدة فكل شيء رهن التغير والتبدل طوال الوقت فما الذي طرا ياترى على منابع موجة التضخم الجديدة وما الذي استجد على تجلياته فى الأسواق المحلية والدولية ؟ .يجئ التضخم عادة من مصادر خارجية كالواردات من السلع والخدمات أو من قرارات إدارية تصدرها الحكومات كرفع أسعار الوقود مثلا أو من زيادات فى الدخول أو من احتكارات واختناقات فى الأسواق الداخلية أو من توسع نقدي او من صدمات عرض مفاجئة اى نقص مباغت فى المعروض كالتي حدثت فى أسواق الدواجن واللحوم من جراء أنفلونزا الطيور أو التي تحدث نتيجة تغيرات مفاجئة فى الطقس فى دولة من الدول بما يؤثر على الأسعار العالمية لمحصول اساسى تنتجه وهكذا ا. لكن الأزمة المالية العالمية نبهتنا إلى حقائق أخرى على رأسها الزيادة الرهيبة فى معروض الدولار- عملة الارتكاز الدولية – والتي لا تتناسب بحال مع الإنتاجية والإنتاج والصادرات فى الولايات المتحدة الأمريكية وهى الزيادة التي دفع ثمنها العالم كله بدرجات وأيضا تحول الكتلة الرئيسية فى طبقة المبادرين العالمية والمحلية إلى المضاربات المالية بديلا عن وجع القلب فى الإنتاج والمنافسة والابتكار والتطوير ما اوجد طفيلية دولية متشابكة المصالح راحت تتعيش بلا رحمة على حساب كل من يعمل او ينتج أو يوزع وابتكرت فى هذا الصدد أشكالا وصيغا شتى للتحايل والاستنزاف وكان من نتائج ممارسات هذه الطبقة أن رأينا أن عناصر التكاليف الظاهرة فى بلد من البلاد لسلعة من السلع – مثلا – كانت تبدو مستقرة ومعقولة غير أن شيئا خفيا يدفعها فى مرحلة غير منظورة إلى الارتفاع ليؤثر بشدة على سعر المنتج النهائي.. انه تكلفة الطفيلية المالية والاستشارات الوهمية والمناقلات الشكلية والفساد الذي تخلق فى تلك الأجواء وأصبحت له مطامع تتجاوز آفاق الفساد التقليدي بمراحل . وحين وقعت الواقعة المالية هب الكبار فى العالم لمعالجة هذا الوضع الذي هددهم فى عقر دارهم وتوصلوا إلى بعض النقاط فيما يخص تنظيم الأسواق المالية و العاب الحواة المالية ومعايير الرقابة على البنوك ومديريها وفيما يتعلق بجزر النعيم الضريبي .لكن يخطئ كثيرا من يتصور أن " وول ستريت" ستسلم بتلك السهولة ولا أعنى هنا حي المال فى أمريكا فقط ولكن كل " وول ستريت" فى اى بقعة من العالم. لقد بدأت أسعار بعض السلع الأساسية تعانى تقلبات حادة من جديد وبما لايعكس مستوى الندرة فيها مثل السكر والأرز واللحوم والألبان وقد سبق ذلك عمليات مضاربة على الذهب – لازالت مستمرة وتتصاعد – كان هدفها فى تقديري الالتفاف حول القيود التي وضعت على حركة الأموال فى أسواق المال من ناحية وإظهار قوة المتلاعبين بالسيولة من ناحية أخرى والإيحاء بان زمن المضاربات السعيد سيعود ومن هنا بدأت موجة تضخم عالمية ومحلية تطل برأسها بدرجات متفاوتة مدعومة بأحاديث عن بدء تعافى الاقتصاد العالمي. إن الخطورة الشديدة تكمن فى أن هذا الارتباط الشرطي بين ظهور التضخم مرة أخرى وبين العودة إلى النمو سيولد مرارة بين الفقراء ومحدودي الدخل إزاء النمو والتعافي هذين .. إنهم يرون انه كلما ثارت أحاديث عنهما وعن نوع النمو السريع بالذات اندلعت نيران التضخم وتحولت حياتهم إلى جحيم . وكما قلت منذ عام إن أهل قريتي كانوا يبتهلون إلى الله أن يديم نعمة الأزمة المالية العالمية لان أسعار السلع التي تعنيهم تراجعت بقوة فإذا أردنا من الجمهور العام أن يساند سياسات الإصلاح والنمو السريع لا بد أن نتفهم هذا النوع من المخاوف ونحاول أن نطمئن الناس بجدية ونحميهم من توابعهما وعلى رأسها " اللئيم " . ليست صدفة أبدا أن يكشف استطلاع الراى الذي أجرته " بى بى سى" مؤخرا عن موجة رفض واسعة فى العالم كله لسياسات السوق الحرة حتى فى الدول التي نجت من بطش الأزمة العالمية ولازال النمو الجيد يتواصل فيها كما أنها ليست صدفة أن تبدأ فى العالم موجة اهتمام واسعة هذه الأيام بدراسات فوائد النمو السلبي أو غير الموجب أو النمو صفر أو النمو المحدود . الم اقل لكم أن التضخم صاعدا أم هابطا هو الذي سيحدد المزاج السياسي لعالم الغد ؟ .

.ينشر اليوم الاحد 15 نوفمبر بصحيفة عمان العمانية

الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

بين إمبرياليتين

مصباح قطب

قال الشاب الهندي بثقة وتؤدة: كل هذا مجرد منظر- أي شكل فقط- ولا جوهر فيه، كما أن صانعيه وورثتهم الحاليين بلا أخلاق، والحضارة الحقيقية في الهند.

كانت مفاجأة صادمة لأني سمعت الجملة الفائتة خلال جولة في العاصمة الصينية بكين، وفى قلب قصر الإمبراطور( الشعب ) الدرة المعمارية بالبلاد والواقع في ميدان السلام السماوي الشهير.


حدث ذلك منذ عامين خلال زيارة وفد رسمي إلى الصين، وكان الهندي مكلفا بتوفير خدمات الاستضافة للوفد.كان شابا مسلما شديد الذكاء والحياء، يتملك هو وزوجته شركة سياحة تعمل هناك. كان الشاب قد تفوق في إحدى المسابقات التي يقيمها المركز الثقافي الصيني في الهند لتعليم اللغة الصينية وفاز بالجائزة: زيارة الصين، وفى نفس الوقت كانت فتاة مصرية خريجة كلية الألسن قد تقدمت لذات المسابقة في القاهرة وفازت أيضا بنفس الجائزة. وخلال تواجدهما في الصين تعرفا على بعضهما وتزوجا.أقدار!.

المهم إنني ظننت الشاب في البداية متعصبا لدينه وحيث أغلبية الصينيين من غير المؤمنين بالرسالات السماوية، أو متعصبا لوطنه حيث التنافس حاد بين البلدين:الهند والصين، على الساحة الدولية وبصفة خاصة بعد بدء انحسار الهيمنة الأمريكية نسبيا.

الطريف أنه حين حاولت فتاة أن تعرض علينا بمكر "خدماتها العاطفية" كما تفعل كثيرات غيرها مع السائحين في هذا المكان، شدنا الشاب بقوة (كان معي الزميل حسن عامر) ونبهنا إلى ضرورة ألا نفتح أي حوار مع هذه النوعية من البنات أو السيدات حيثما وجدن ... بدا وكأنه خاف أن نضعف أمام إغوائها في تلك الغربة، فأراد قطع الطريق علينا رغم أنه أكد أنه أحبنا لثقته في أخلاقنا!.

قدم انفعاله ذاك دليلا آخر على أن حكمه على الصين وأهلها يمكن أن يكون مبعثه كراهيته لصور التحلل الشائعة هناك عياناً. لكن ثقافة الشاب الواسعة وهيئته وحديثه المفصل عن الفارق بين جماليات المعمار في الهند والصين، ضاربا مثلا بالمسافة الهائلة بين تاج محل وبين قصر الشعب، ومثلا آخر للفارق بين النموذج الأخلاقي لغير المؤمنين بديانة سماوية في الهند والنموذج نفسه لدى الصينيين، كل ذلك دل على أن الشاب ليس ممن يمكن اختزال شخصيتهم في بعد واحد.

وبدا القلق يساورني حين تأملت وحدات الزخرفة الخشبية (الكرانيش) في حواف القصور والشرفات والتي تميز أي مبنى تاريخي أو معبد كونفوشي بالصين، وهالني أن ما فيها من تكرارية ينطوي على استسهال غير مريح بالفعل، كما أن ألوانها التي تبهر من بعيد تشي بخواء إبداعي ما عند الاقتراب منها، وخزنت ذلك في الذاكرة إذ قلت إنه لا ينبغي أن يندفع المرء في الحكم على حضارة عريقة بتلك السرعة، فحاولت أن أهرب من النفور الذي رافقني حيال النمط المعماري السائد في الصين والذي رأيناه في بكين وشنغهاي وشين داو، والمتمثل في مبان شاهقة مزججة وغير مزججة لكن الروح التجارية تهيمن عليها بالكلية. قلت أيضا لا تنسى مهارات لاعبي السيرك المذهلة (سوفت وير) وصلابة الفكرة والحجر في سور الصين العظيم (هارد وير) الذي زرناه وعبقرية امتصاص الأفكار وتطويرها، وقلت لنفسي كذلك أنه أيا ما كان الأمر فإن نمط الزراعة النهرية خلّف في كل مكانٍ حلَّ به نموذجاً أخلاقياً وثقافياً وحضارياً، فلماذا نستثنى الصين منه؟

نسيت الأمر... وقبل فترة تجددت الأسئلة الحائرة عن مضمون رسالة الصين الحضارية في عالم اليوم والغد، واندفعت كلها إلى رأسي، فقلت إننا نردد دائما " كلنا في الهم شرق"، طيب: إذا كنت سأتكلم عن الشرق ذاته موطن سكنى المهمومين، أليس من الواجب إسماع بني قومي حتى سابع جار ومنهم قاريء هذا المقال صوت أسئلتي؟.

دعيت مؤخراً إلى ملتقى بعنوان "ثمار الديموقراطية...تدعيم مؤسسات السوق وتعزيز رفاهية المواطن " أقيم في القاهرة بتنظيم من مركز المشروعات الدولية ( يتبع الغرفة الأمريكية للتجارة ) واستمع وتحاور الحضور خلاله إلى متحدثين من واشنطون عبر الأقمار الصناعية معهم حول قضية العلاقة بين الاقتصاد الحر والتحول الديموقراطي. كان أكثر ما شدني تنبيه متحدث من أوربا الشرقية، هو روبرت ليتان (نائب رئيس مؤسسة كوفمان للبحوث والسياسات) إلى خطورة تزايد إعجاب الأمريكيين بالاوتوقراطية الصينية بالذات بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية. ولم يكمل بالقول أن ملايين الأمريكيين فقدوا وظائفهم، وبيوتهم لكن الصين واصلت تحقيق معدل نمو ايجابي ولم تفقد إلا القليل من فرص العمل بسبب تراجع الصادرات، لكنها عوضت ذلك بزيادة الطلب المحلى. لكننا فهمنا من تلقاء أنفسنا ما الذي يعنيه ليتان بملاحظته، وتفسيرها.

الأنكى أن المتحدث مد الخط على استقامته باتجاه لم يخطر على البال؛ إذ قال ما الذي سيحدث إذا أصبحت الصين صاحبة أعلي ناتج محلى عالمي بدلا عن الولايات المتحدة؟ وأين ستكون الديموقراطية وقتها؟ وترك السؤال بدهاء، ولم يجب. وعلى الفور قفز الشاب الهندي إلى صدارة شاشة العقل خارجاً من قاع الذاكرة المتعبة. بعد انتهاء المتحدث تم فتح باب النقاش فقلت إن الصين لم يكن لها تاريخ استعماري، لكن المرء يصاب بالقلق حين يفكر بالفعل في اللحظة التي ستهيمن فيها الصين على العالم، ونتائج ذلك من النواحي السياسية والثقافية والعسكرية، وأخشى أن نقول وقتها أن الإمبريالية الأمريكية بكل جرائمها كانت أرحم؛ فلدى الولايات المتحدة سينما تحب أن تشاهدها، وتنوع معرفي واجتماعي مثير للفضول، وموسيقى وغناء ومسرح وأسلوب حياة "لايف ستايل" يشد الشباب في كافة أرجاء العالم، ولديها رسالة ولو مُدَّعاة بالاعتناء بالديموقراطية وحقوق الإنسان والحريات والشفافية والحوكمة والإصلاح... الخ، فأين الصين من كل ذلك؟

وما الذي نود أن نسمعه من غنائها أو موسيقاها؟ وما الذي يشكل ذوقنا من عاداتها أو يثرى أعيننا من فنها التشكيلي أو..أو. إنك لن تحصل على إجابة لو طرحت تلك الأسئلة إزاء اليابان التي تحتل المرتبة الثانية اقتصاديا الآن بعد الولايات المتحدة، وتنتمي إلى الثقافة الآسيوية كالصين. فما الذي سيجعل الأخيرة مختلفة (لن ينسى سكان القاهرة فرقة الكابوكي المملة في افتتاح مبنى الأوبرا الممول يابانيا).

لقد زرت منذ فترة قصيرة الجناح الصيني في معرض لفنون التراث بسلطنة عمان، وأزعجني أيضا أنني لم أتحمس لشراء أي من القطع التقليدية رغم رخص الثمن والبراعة الظاهرية للصانع الذي يشكل القطعة أمامك. أمر ما بلاستيكي يمنعك في اللحظة الأخيرة من الاندماج في الشيء – الصيني – الذي يشدك عن بعد إلى أن تقترب منه. لقد شربت فقط شايا أخضر كانت تعده فتاتان صينيتان يافعتان - حقا!!- وفق طقوس خاصة لافتة تشعرك أنك هارون الرشيد وأن هاتين جاريتين لك!!. حركات فيها ما ينتمي إلى التسويق لكن لا يخفى ما فيها من عراقة التقاليد ومن موروث عصور من الذكورية!!. عدت أيضا إلى ذاتي فقد لاحظت تصاعد الاهتمام الصيني بإقامة مراكز ثقافية بالعواصم الكبرى في السنوات الأخيرة ومحاولات لإبراز الطابع الإنساني للنهوض الاقتصادي الصيني، وذلك في أعقاب موجة التنبيه إلى أهمية القوة الناعمة للدول. لكن المشوار لازال طويلا؛ فلم يبرز بعد محتوى صيني ذي مغزى...وقد لا يظهر. حين ذهبنا للتسوق خلال رحلة بكين التي أشرت إليها وقع ما كنا علمناه من آخرين، فالبائعة الصينية تظل تتدلل وتتودد إليك و" تدلعك" حتى تنتهي المعاملة التجارية، وفى لحظة ما بعد دفع النقود مباشرة تقلب وجهها لك و تظهر كمن لا تعرفك البتة. وأظن أن البعض يمكن أن يستجلب ذكريات شبيهة. إنها المادية البدائية إذن. فهل ستستمر أم أنها مجرد رد فعل عابر على قرون من الجوع والحرمان والمعاناة مع الطبيعة؟.

خلال مناقشات مع مثقفين أصدقاء حول مخاوفي، قلت إن اليابان هي الأخرى لم يكن لها تاريخ استعماري، لكنه انبثق فجأة مع تبلور طموحها الاقتصادي الحديث وارتكب الاستعمار الياباني في الصين بالتحديد أكثر المذابح وحشية ودموية في التاريخ الإنساني قاطبة. فهل سيتكرر ذلك مع صعود الصين أم أن تغيرات داخلية و عالمية ستحول بينها وبين الحاجة للعدوان؟. وفى الأثناء علمت خبرا خطيرا... فقد سعت الحكومة المصرية منذ سنوات لإقامة تعاون استثماري مع الصين في شمال غرب خليج السويس تعثر الأمر دون سبب واضح رغم أن الصينيين كانوا قد قالوا إنها المنطقة الأفضل للاستثمار في العالم، وتبين أن السلطات المصرية هي التي غضت البصر لأن الصينيين طلبوا توطين عدد كبير من عمالتهم مع ما سيقام من مشاريع، وهو مبدأ مرفوض، فهدف مصر ذاتها من توسيع جغرافية التنمية هو: خلخلة الكثافة السكانية العالية بمدنها وقراها، يعنى "مش ناقصة" ."المعروف" أن الصين عرضت إعارة عبد الناصر ربع مليون جندي لمحاربة إسرائيل مع الجيش المصري بعد هزيمة يونيو، لكنه رفض بشدة.

بالتداعي تنبهت إلى صورة تواجد المهاجرين الصينيين في البلاد التي يحلون بها والتي تأخذ دائما نمط "شاينا تاون" والتي أصبحت موجودة في كل ولاية أمريكية والأغرب أن السيدات اللواتي يطرقن أبواب المنازل في مصر حاليا لبيع بضائعهن الصينية بدأن يتحلقن في تجمعات قد تصبح كل منها " شاينا تاون" مستقبلا. قد يكون الأمر تلقائيا؛ فكل غريب للغريب نسيب، لكن للمرء أن يتخيل الصورة حين تكون الصين القوة رقم واحد في العالم، ولها مشكلة مع هذه الدولة أو تلك، وإمكانية أن تحرك بسلطتها المركزية الطاغية أبناءها هؤلاء؟.

التداعيات لا حد لها، لكن ما اقصده أن نشغل البال بالموضوع فهو يخصنا ويخص غيرنا إلى أبعد الحدود. النهر والفقر والتسلط هم الذين شكلوا شخصية الصينيين عبر التاريخ، فأي عنصر من أولئك وتأثيراته سيبرز لنا حين تحتل الصين القمة؟ الله أعلم.
...
منشور في العدد الجديد- نوفمبر- من مجلة عالم الاستثمار الإماراتية.

الأحد، 1 نوفمبر 2009

مادة "أخلاق المهنة"

كتب مصباح قطب


يقول المثل العامي المصري : " قالوا للحرامى احلف قال جاءك الفرج "، أي أن اللص مستعد وبسهولة لان يقسم بالباطل على انه بريء ، ليتخلص من مأزقه ، ومن ثم يتعين على من يريد الوصول إلى الحقيقة أن يتخذ وسائل أخرى ، ومن الواضح أن المثل السابق ، المفرط فى واقعيته، يقلل من اثر ما هو قيمي فى كبح اللصوص والفاسدين ، بيد أن الأمر ليس كذلك أو لايمكن أن يكون كذلك ، على الأقل فى غالب الحالات ، إذ تخبرنا الحياة طوال الوقت بما لا ينتهي من القصص التي تؤكد أن الإنسان لم يزل هو الإنسان ، بما هو مفطور على أن يكون صاحب معتقد روحي وأخلاقي، أيا كانت طبيعته ، ومع التسليم بتزايد نسبة الانحراف عن هذا القانون العام .

ومن الواضح أن الفوضى التي تسود عالمنا العربي قد كرست أو تكرس نوعا من اليأس من أي قاعدة أخلاقية لضبط الممارسات العملية ، ففي أي محفل ما يكاد امرئ يقترح عمل ميثاق شرف للمهنة الفلانية أو العلانية إلا ويهب بعض الحضور للسخرية من هذا المنهج ويقولون لك إذا كانت كتب الله السماوية ذاتها لم تردع البشر ، فهل ستردعهم تلك المواثيق التي يسنها بشر ؟. ثم يروحون يعددون المواثيق التي صدرت من جهات عمل عربي مشترك أو جهات مهنية عربية أو تنفيذية ويسردون فى شماتة كيف تم الالتفاف عليها أو إهمالها التام ورميها جانبا الخ ، ورغم الوجاهة الظاهرية لذلك المنطق فان آخرون يردون مؤكدين على أن ذلك ليس لعيب فى المواثيق ذاتها أو فى الرهان الذي تنطوي عليه – أي الرهان على الضمير الأخلاقي للإنسان - كما أن أحدا لم يقل أبدا أن سن المواثيق هو بديل عن اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات قانونية مدنية لردع المخالفين أو المنحرفين .

عن نفسي كثيرا ما أرد على منطق الساخرين بالقول أن كتب الله وألواحه لم تتنزل مرة واحدة ولم ترسل للعلم والإحاطة لمرة واحدة ، فى حياة كل إنسان ، وإنما ليتم التذكير الدائم بها ، والحث على إتباع تعاليمها ، وتقديم القدوة من الصفوة الأخلاقية فى المجتمع، حتى يرى الغافلون أي راحة وأي انسجام نفسي بل و أي نجاح حقيقي ذلك الذي يمكن أن يتمتع به الإنسان المتمسك بها ، والأمر نفسه ينطبق على مواثيق الشرف إذ يجب على الجهات التي تتبناها أن توالى الحث على تطبيقها والدعوة للعض عليها بالنواجذ وعزل المتحللين منها ولو معنويا ، بل وتأديبهم وفقا للقواعد المنصوص عليها فى تلك المدونات ذاتها ، ليشعروا بان ثمة خسارة لا يستهان بها من جراء خروجهم عليها . أقول كل ما تقدم لأني انتوى أن اطرح عليكم أمرا : أن نشغل أنفسنا فيما تبقى من الصيف وعلى مداخل رمضان الكريم فى أمر النزاهة ومكافحة الفساد وان نتعلم ممن سبقونا فى هذا المجال.

هناك اتجاه عالمي قوى لإنشاء معاهد أخلاقيات الأعمال وتدريس مادة أخلاق المهنة فى كليات مستقلة أو ضمن مواد الدراسة فى كليات الإعلام والتجارة وإدارة الأعمال وقد جمعني منذ أيام لقاء بأعضاء المجلس الاستشاري للشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد بمصر وهو مجلس تطوعي يضم مثقفين وإعلاميين ورجال أعمال وجامعيين وأصحاب وصاحبات خبرات عملية نشطاء المجتمع المدني وممثلين من جهات حكومية معنية بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي وقعت عليها مصر منذ فترة طويلة ( الكاتب مشارك فى عضويته ). يرعى اجتماعات المجلس ، بمعنى توفير مقر مناسب للاجتماع والنقاش ، مركز المشروعات الدولي (سايب ) . كنا نبحث كيفية إطلاق مبادرات للحد من الفساد وقسمنا أنفسنا إلى مجموعات تبارت فى اختيار أهم القضايا التي يجب التركيز عليها واقتراح أجندات عمل للتصدي لها وبيان كيفية تمويلها ونوع الأنشطة التي ستقوم بها المجموعة والتحالفات التي ستبنيها الخ.

وأود هنا أن انقل للقراء بعض ما توصلنا إليه لعله يفيد فى مجتمعاتنا العربية . لدينا أولا دعوة لإقامة مرصد لمتابعة إعلانات المناقصات والمزايدات العامة والتعرف على مواطن الخلل بها وكشفها وتلقى أي شكاوى بشأنها والدعوة إلى سن قوانين وقواعد عصرية وشفافة وعادلة للمناقصات والمزايدات وكان من رأينا أن من شان ذلك أن يمنع فسادا لا آخر له . اقترحنا أيضا ، وجريا على السائد عالميا كما سلفت الإشارة ، تدريس مدونات القيم فى الكليات العملية والنظرية على السواء ، أو إنشاء معاهد خاصة لهذا الأمر ، على ألا يلتحق أي مواطن بوظيفة ، قبل أن يحصل على دورة فى تلك المادة (مدونة الأخلاق ) ، وبناء تحالفات للنزاهة حول مبادرات محددة تنتقل إلى غيرها حالما أدت الغرض منها ، والدعوة إلى تبنى نظام محامى المواطن أو الشعب المنصوص عليه فى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (امبودسمان ) فى كل جهة تنفيذية وفقا للمعمول به فى دول مثل فرنسا أو السويد أو كندا مع تعديل النموذج بما يناسب مجتمعاتنا ، وإعادة هندسة دورات المستندات والأعمال فى شركاتنا ومنظماتنا الحكومية لإزالة ما بها من تعقيدات وبما يحول دون استفادة الفاسدين مما فيها من غموض ، وتطوير ونشر المعايير الأساسية لأداء الأعمال فى الدول المتقدمة ومقارنة أوضاع مؤسساتنا بها (مثلا كم يستغرق استخراج رخصة مرور فى بلد متقدم وكم عندنا ) ونشر تقارير سنوية عن أفضل وأسوأ المؤسسات فى أداء الخدمات للمواطنين وتبنى مفاهيم جديدة لحماية الشهود والمبلغين عن وقائع الفساد ، وإشراك المؤسسات الدينية فى حملات لمجابهة الفساد بدلا من أن يظل الخطاب الديني الرسمي يعمل – تقريبا - فى فراغ ويسير على وتيرة تقليدية لا تثير الحماس للفضيلة والشرف ، و لجعل المجتمع ينفر من تلك الممارسات ويتشجع على التصدي لها ( قلت للحاضرين تخيلوا مثلا تأثير شعار يقول : لا تتزوجوا بناتهم -أي الفاسدين- ولا تزوجوهم بناتكم ) .

ونبهنا إلى وجوب إيلاء عناية خاصة فى متابعة معدلات الربح السائدة فى النشاطات الاقتصادية المختلفة حيث تؤكد الخبرة العملية انه كلما زادت معدلات الربح فى فرع اقتصادي معين عن الحدود المعقولة والمقبولة كلما كان هناك إغراء باستخدام الإفساد للحصول على الصفقات ( الذي سيكسب عشرات الملايين من مجرد الحصول على توقيع معين غالبا سيكون على استعداد لدفع نسبة معتبرة كرشوة للحصول على هذا التوقيع ) أيضا قلنا أن دور المرأة مهم للغاية فى التصدي للفساد لأنها كمربية وزوجة أول من تعلم به وتحسه ولا يعقل أن يكون هناك موظف كل راتبه لا يزيد عن بضع مئات من الجنيهات بينما يمنح زوجته مثلها كل يوم أو ينفق هو مثلها ولا تسال الزوجة نفسها من أين جاء بالمال أو تسأله .

بالطبع هناك أعمال مؤسسية وتشريعية وتنظيمية كثيرة يمكن القيام بها لمجابهة الفساد ، فوزارة الاستثمار فى مصر أنشئت ، وعلى سبيل المثال ، لجنة للشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد ، وولت عليها واحدا من أفضل الخبراء الذين عملوا لسنوات فى وزارة الخارجية المصرية ( السفير احمد رجب ) ويمكن إنشاء وحدات من هذا النوع فى كل جهة مصرية أو عربية لتتابع وتدرس وتقترح وتدق نواقيس الإنذار كلما دعت الحاجة ، وهناك احتياج إلى تفعيل قواعد محاكمة المسئولين الكبار وتوسيع نطاق ما يسمى بقواعد المسئولية الاجتماعية للشركات وإدماج المدونات الأخلاقية فى تلك القواعد والتأكد من أنها ليست للشهرة والمنظرة. الخلاصة إن الحد من الفساد وإراحة الناس مما يجلبه من مشاق وتكاليف وما يسببه من يأس وفقدان للثقة والانتماء ، ممكن، بل وهو واجب وضرورة عملية ، حتى قبل أن تكون دينية أو قانونية . ألا يستحق كل ما تقدم أن نشغل بالنا به؟

أغسطس 2009